علم النفس الاجتماعي يتساءل: لماذا ينضم الأفراد إلى الجماعات الإرهابية ؟..

  

في ظل الأحداث الراهنة المتعلقة بالحرب الأهلية السورية، وظهور داعش، والجماعات المسلحة، إضافة إلى التفجيرات في كل مكان، كل ذلك تسبب بهجرة كثير من اللاجئين لمنازلهم ويتحولون إلى لاجئين في مختلف أنحاء العالم يطلبون المأوى. علاوة على هجمات باريس 13 نوفمبر 2015، التي أسهمت في ظهور خطاب يجرّم كل المسلمين ويضعهم في خانة الإرهابيين.

في محاولة لتفسير وتحليل نفسية الأشخاص الذين ينضمون إلى داعش، نجد تفسيرات مرتبطة بالمرض النفسي نشرها حديثا أستاذ في الطب النفسي والاجتماعي في مقال له، فيذهب إلى أن “التعصب الديني  -الذي يشبه الشر -هو الذي يشكل الجزء المألوف و غير المألوف من ذواتنا ” إضافة إلى أن ” التعصب الديني يكره النظر إلى عالمه الداخلي ، و يكره التفكير و النقد و التأمل الذاتي و التغيير”

لهذا يتم ربط التعصب الديني بسمة شخصية و جزء من الذات يسمح بتحويل الأشخاص المنطقيين إلى كيانات غير عقلانية، تنكر التفكير المنطقي و النقد و التأمل الذاتي في أفعالها الخاصة. وإخضاعا لداعش ضمن التفسيرات النفسية، يتم وصف المنخرطون في هذه الجماعات على أنهم أشخاص يعانون من بعض الاضطرابات النفسية التي تجعلهم خطرين ومختلين، وفي ذات الوقت يتم تجاهل الجو السياسي الكامن الذي قد يثير مثل هذه السلوكيات بشكل كبير.

في الجانب الآخر للتفسيرات الفردية للإرهاب، توجد أبحاث نفسية تنظر إلى الموضوع نظرة أعمق وتقدم تفسيرات للتطرف، وتعترف في نفس الوقت بالسياق السياسي المتصل بحالات التطرف. مثل نظرية الهوية الاجتماعية التي تقول أن الأشخاص قد يعرفون أنفسهم حسب الجماعة التي ينتمون إليها، أي أن هويتهم الفردية مستمدة من هوية الجماعة التي ينتمون إليها، ولذلك فالسلوك النابع عن هؤلاء الأشخاص يكون متفقا مع السلوك الناتج عن أعضاء الجماعة. وفي هذه الحالة يمكن مثلا أن يكون شخص مسلما ومشجعا لكرة القدم، والسلوك الذي يخرج منه يستند إلى الهوية البارزة، فعند حضوره لمباراة كرة قدم في الملعب، فهو سينظر إلى نفسه على أنه مشجع كرة قدم وليس شيئا آخر، وسيتبنى سلوكيات تتفقع مع مسألة تشجيع كرة القدم.

ويمكن للهويات أن تكون أوسع أو أَضيق، مثل الهوية اليونانية تشمل كل اليونانيين، باستثناء غير اليونانيين، لكن عند تعريفهم على أنهم بشر فسيشمل كل الناس بغض النظر عن جنسيتهم. وهنا يبرز الدور الرئيسي  للسياسة والخطاب السياسي في بناء الواقع، لأنه يعتمد على تقسيم العالم إلى “نحن” في طرف، و “هم” في طرف آخر، وإلصاق الصفات الإيجابية والسلبية للأطراف التي تريدها أو الهويات.

يتضح ذلك في الهوية الإسلامية عند إلصاق صفة الإرهاب بها، فيشكل المسلمين على أنهم “هم” وخطرين “علينا” وعلى المصلحة العامة، إضافة إلى حشد الجهود والقوى ضدهم في محاولة لاحتواء الخطر الخارج عنهم  ومواجهته، مثل المطالب التي طالب بها الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب ضد المسلمين، وبرامج الفاشية كحركة الفجر الذهبي ضد اللاجئين في اليونان. ومقابل ذلك، تشكيل الناس على أنهم جزء “منا” يستطيع حشد الدعم والاحتواء الإيجابي، وتقديم المساعدة لهم باعتبارهم جزءا مننا ومن جماعتنا الخاصة .

نعود إلى التساؤل الأصلي، فما العلاقة بين ما ذكر سابقا وعضوية الأشخاص في داعش والتطرف؟

يقول الجنرال السابق ستانلي ماكريستال:” إذا عامل الغرب الدولة الإسلامية على أنها مجموعة نمطية من القتلة المرضى نفسياً ، سيكون هناك خطر كبير في الإستهانة بهم”، بينما يقول سكوت آتران عالم الإنسانيات :” ليس هناك أي أرهابيين غير عقلانيين، لكن الحقيقة أسوأ بكثير”. وفي مقابل تفسيرات التحليل النفسي، تذهب نتائج علم النفس الاجتماعي إلى أن الإرهابيين لا يمتلكون شخصيات منحرفة ،بل على عادة ما يكونون أكثر صحة مما نظن، والسبب ببساطة: لتكون إرهابياً جيداً ، يجب على المرء أن يكون منطقياً و منضبطاً و مكتفياً ذاتياً و صحيح عقليا، لكي يتم مهامه. ولهذا دعا إلى تركيز التحليلات على العوامل المؤدية للأشخاص الأصحاء نفسيا إلى الانضمام إلى المنظمات “الإرهابية” والقيام بهجمات إرهابية، وأي تفسيرات خارج السياق السياسي المتصل تعتبر مستحيلة.

وتوصلت  الأبحاث إلى أن العوامل المؤثرة  على التطرف هي الحيرة الشخصية، خاصة ثناء التوتر السياسي الاجتماعي، والظلم الواقع على مجموعة الفرد ، و استهداف الأفراد والجماعات البريئة،إضافة إلى تهميش الدول المستضيفة للاجئين  . يمكن أن يؤثر نقص تقدير الذات ونقص الاحترام للذات أيضا على التطرف. وهذه العوامل قد تسهم- عند الجماعات المهمشة – على تقوية روابط أفرادها، وبالتالي تحثهم على محاولة تغيير الأوضاع الراهنة عبر القيام بالأفعال المتطرفة التي تبدو كالخيار الأخير.

وبسبب الحروب التي صنعها الغرب، تسببوا في وجود لاجئين يرفضون استضافتهم ودمجهم في دولهم، ويجعلونهم في صف “هم/ الآخرين” عبر الاستثناء، بينما ما تفعله داعش هو إثارة حس الجماعة والانتماء، والتكاتف نحو الهدف المشترك، وتحديد هوية الفرد استنادا إلى الجماعة المنتمية لها والهادفة إلى العمل ضد الغرب الذي حرمهم من مستقبلهم النابض بالحياة، ولم يعترف بقيمتهم، وهكذا يصبح الغرب هو العدو المشترك الذي يجب تدميره بالإرهاب.

  وفقا لما سبق، فالعضوية في الجماعات الإرهابية ليس علامة على المرض أو الاضطرابات النفسية، بل هو فعل له سياق سياسي، ولكما تزايد القصف ، تتزايد فرص انضمام المزيد من الأشخاص إلى داعش، ولن يكون هذا السلوك سلوكا مختلا، بل هو سلوك عقلاني تسبب به الاقصاء والتهميش الذي أثر في رفع مستوى عدم الرضا، ولا شك سينتهي إلى تقوية تنظيم داعش.

ولمنع تصاعد داعش، يمكن أن تكون إحدى الطرق الرئيسية هي إيقاف القصف المستمر، والاعتراف باللاجئين واحتواؤهم على أنهم جزء من الـ “نحن”، علاوة على رفع الفكر النقدي ومعارضة الخطاب الذي يستهدف جماعات بعينها ويلصق عليها صفة الإرهاب، بعد تقسيم العالم إلى “هم” و “نحن” كما سبق الذكر.

لقد أحدثت تفسيرات علم النفس ما يكفي من الدمار في الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر عندما بررت عمليات تحسين النسل والعبودية، وسيكون من الحكمة أن يمتنع عن تفسير الإرهاب حسب السمات الشخصية التي تستهدف أفرادا وجماعات بكاملها، ويجب عليه في المقابل تفسير السلوكيات بحسب السياق السياسي المرافق لها، لأن الفعل وردود الفعل حاليا، غالبا يكون له خلفية سياسية، فمن  الأفضل أخذها بعين الاعتبار عند تفسير السلوكيات الاجتماعية.

المصدر:

https://blogs.sussex.ac.uk/crowdsidentities/2015/12/29/the-social-psychology-of-terrorism/

الكلمات المفتاحية:

داعش / الإرهاب / علم النفس 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *